إليكِ يا أمي
إليكِ يا أمي نبع الحُب والعطاء
مجرد التفكير في الموت مؤلم, كيف وقد عشت لحظاته مع أغلى حبيب وأقرب قريب. ذكريات
ومواقف ملتبسة جراء الإحساس المرير الذي أصابني ومحاولة تكذيب ما أرى لقسوة تقبله..
ولكنها الآجال ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ سورة الرعد
آية (38) ..
أمي..
أيا صوتاً مازال ينسكب في وجداني ويثير في دواخلي زوابع من طموح لم تقف الأيام على
وأده..
أيا وجهاً ماغاب عن ناظري..أراه في وجه أمي الغالية..
أراه في ورقي.. وحنايا نفسي.. أراه كحلم رقراق لا أود الاستيقاظ منه أبداً.
من سيحمل همي من سأدس رأسي في صدره لأجرع الحنان والأمان من سيقول لي مجيباً ندائي
" أمي وأبي " من سيرد علي نوائب الدهر وجحوده بطيب دعائه وصفاء نواياه.
ملهمتي التي لن يفوقها من في الكون حباً وحناناً, علاقتي بك علاقة انصهار غدينا
روحاً واحدة في جسدين. آه يا جسدك الطاهر كيف سأضمه كيف سأقبلك بعد اليوم حتماً
سيحرقني الشوق إلى تقبيل قدميك.
لله دركِ يوم توفي والدي – رحمه الله – وأصبحتِ الأب والأم والصحبة والأهل, أَبَيتِ
أن يشارككِ أحد في رعايتي ضممتني تحت جناحكِ وأَظَلَّيتِي عليَّ بظلالكِ وعطفكِ.
حرمتي نفسك من ملذات الدنيا رأفةً بي, سرقتي من عمرك لتعطيني وصببت دمكِ لتسقيني.
تعلمت منكِ أن الفتاة كالفتى يميزهما الخلق الطيب ويعيبهما سوء الأفعال.
لم تسعني الفرحة وأنا أرى السعادة في عينيها وهي تراني بعباءة التخرج وأنأ أستلم
شهادة التفوق وشهادة الشكر والتقدير.. وعندما نزلت من منصة التخرج لأُقبل رأسها
وأضمها.. رأيت الفرح في عينيها لأنها رأت أن كل مازرعته طوال سنوات حياتي الماضية
وجدت ثمر حصاده وجنيه.
وكم كنت أتمنى أنها وصلت معي إلى مرحلة التخرج للماجستير والدكتوراه.
لئن رحلتِ من بيننا فتلك سنّة الله تعالى في خلقه ﴿إِذَا
جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ سورة
يونس آية (49).
رحلتِ يا أمي.. ورحل معكِ كل معنى للفرح..
رحلتِ..ولكن بعد أن شيدتَ في داخلي خبرات كثيرة..
رحلتِ.. بعد أن محوتِ من أمام خطواتي ضبابية الطريق.. وعشوائية المسير..
رحلتِ.. بعد أن أسقيتني عصارة فكركِ.. وغذيتي خلاياي بخلاصة عملكِ.. وطبعتي على
شخصيتي بصمات شخصيتكِ الفاضلة العظيمة.
رحلتِ.. بعد أن علمتيني كيف أحرث بيدي في سواد الليل بغية العثور على بياض أحصده في
النهار..
فقد اعتادت يداكِ احتضان يديَّ أيام النحت على صخور الصعاب…
فما بال يديَّ اليوم تمتد وحيدة مرتعشة..
فأعذر أبجديات لغتي إن اختلفت وقصرت..
فمهما بلغت من الفصاحة والبيان فلن تزن ذرّة شكر في ميزان ماقدمتي وأغدقتي و أجزلتي..
فليس لي إلا أن أتجه إلى المولى العلي القدير متضرعة إليه أن يغدق عليكِ من سحائب
رحمته.. وأن ينزلكِ فسيح جناته.. وأن يدخلكِ مدخل صدق مع عباده وأحبابه وخاصته..
وأن يجمعني بكِ في الفردوس الأعلى إنه جواد كريم.